لاشك أن ما حصل من أحداث عنف في العالم ومنه هذه البلاد (وآخرها أحداث القصيم والرياض) باسم الدين الإسلامي توجد في النفس المؤمنة آلاماً وأحزاناً من جوانب شتى؛ فهي تعبر أولاً عن مدى التخلف الذي تعيشه الدول والشعوب العربية والإسلامية في فهم الدين و الإيمان، حتى خرجت طوائف من شبابها وكأنهم يمثلون صور الإرهاب ويتلبسون بالعنف، وهذا لاشك أنه لم يقره الدين لا في فترة بزوغه وظهوره في العهد المكي، ولا حتى في أية مرحلة تاريخية لاحقة؛ بل لم يستخدمه المسلمون في حل خلافاتهم مع منابذيهم، ولا حتى مع من عدّوهم زنادقة ومنافقين، بل تعايشوا معهم ومنعوا أنفسهم من أن يمسوهم بأذى إلا إذا كان عن طريق حكم شرعي تقره السلطة القضائية المشروعة. بل امتنع الرسول - صلى الله عليه وسلم- من قتال المنافقين معه في المدينة برغم إخبار الوحي له عنهم، حيث إنهم لم يظهروا علانية ما يسرونه من الردة والنفاق، ومع أن الدين يمنع مثل هذا العنف والإرهاب؛ فإن العقل أيضاً يمنعه ويعده مفسدة عظيمة لمن يقوم به ولمن يناله وللمجتمع كله ففيه إخلال بالأمن وإهدار للدماء البريئة والمصونة، وفيه إضرار بسمعة الدعوة والقيم التي يتمثلها المجتمع ويؤمن بها.
والقيم الدينية التي يعطيها الإسلام تعد بحق ثروة عظيمة للفرد والمجتمع؛ إذ هي التي تحرك الفرد والمجتمع نحو العطاء والإنتاج والإخلاص والجد والصبر في كافة ميادين النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وبدون القيم أو بضعفها أو تخلخلها تضعف الأرواح فتغدوا هزيلة، فلا تتحرك الأجسام نحو البذل ومضاعفة الجهد وبالتالي استغلال الموارد والثروات الاقتصادية كلها. وكيف لا تكون القيم إلا أعظم ثروة وهي التي تغذي الأرواح وتحييها، وليست الأجسام إلا أوعية ومطايا للأرواح، وقوة الإنسان شرقياً كان أو غربياً، يهودياً أو نصرانياً أو مسلماً، أو علمانياً مادياً ملحداً؛ إنما هي بقوة قيمه التي يؤمن بها؛ حقيقتها وصدقها ودرجة مصداقيتها ودرجة تمثله لها وقيامه بها وتشرب روحه لها. ثم إن الإنسان هو الذي يحرك بقية الموارد الاقتصادية ويثمرها أو يعطلها ويضيعها..
ولكن هذه الثروة الدينية قد تنقلب سلاحاً ضده إذا أهملها أو همشها أو تجاهلها أو أساء استخدامها؛ فلم يعرف من أن أين تؤكل الكتف وكيف تورد الإبل، وعد كل بيضاء شحمة وكل سوداء فحمة!، ومن هنا أتى المسلمون فجهل أكثرهم فقه دينه وفهمه، وترك من فقه وفهم العمل به والصدق معه والترجمة الواقعية العملية السلوكية له. فحصل التخلف العظيم عن الركب، وأصبح بعض جهال المسلمين ومنهم بعض الشباب يتصورون إن ينتصروا على أعدائهم ويصلحوا أوطانهم في تمثيلية أسطورية وعبر قصص خيالية في غفلة وذهول عن فهم حقيقة الدين وتاريخه ونشوئه، وأنه يجمع بين العقل والنقل، وأنه لا يقوم إلا بإقامة السنن الشرعية مع السنن الكونية، وأن الأنبياء عليهم السلام عاشوا مع الكفرة دهورا طويلة فرادى -أو شبه فرادى- دون أن تقبل دعوتهم، وحتى النهاية ومع ذلك لم يحدث منهم عنف ولا إرهاب ولا خروج على سلطة الكافر ولا دولة الإلحاد زمانهم، بل كانوا هم محل الأذى والعنف والإرهاب من أقوامهم.
فهذه الأحداث التي أخذت لا تنقطع في ظهورها من بعض الشباب، وآخرها أحداث القصيم والرياض، يا ترى أيكون العلاج له هو حكم القصاص والحرابة وإيداع السجون فحسب؟ أم أن الأمر ينبغي أن ينظر إليه على أنه مؤشر وعلامة على أن هناك خللاً في مجتمعات العالم العربي والإسلامي (وفي مقدمته وواسطته المجتمع السعودي) في تفاعلاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وعلاقة ذلك بالتفاعلات القيمية الإسلامية، وأن هناك فجوات في الفهم والعمل بالدين الإسلامي وعلاقته بالحياة الواقعية، ليتفجر من خلالها زلازل وبراكين ترج الأمة والوطن رجاً وتهزه هزاً.
المتأمل في المجتمعات العربية والإسلامية ومنها وطننا يدرك تماماً أن الظواهر المسماة بالإرهاب ليست عابرة أو صدفة عارضة؛ بل تنم عن أن مجتمعاتنا وهي تريد اليقظة والصحوة تحتاج إلى الكثير من مصابيح العلم والهدي والثقافة والوعي والتآلف والترابط وتحكيم العقول مع النصوص. ولكن مع غفلة أكثر المتنفذين فيها وعدم وعي الموجهين وأصحاب المراكز والسلطات بأهمية التطوير والتبني للمؤسسات التعليمية والمشاركة في تدعيم وتقوية وتأسيس قواعد وأسس أكثر تنظيماً وتكاملاً لمؤسساتنا الدينية والعلمية والثقافية. ففي ظل غياب أو ضعف هذه الاتجاهات تبرز الثغرات والمفارقات وسوء الفهم والتدبير من قبل بعض أفراد الأمة، وفي مقدمتهم كثير من الشباب الغيور؛ فيحدث من بعضهم ما يشبه الثورات الخيالية والمغامرات الأسطورية ..
ما سيعمل على تطوير الأمة العربية والإسلامية وفي واسطة عقدها بلادنا السعودية هو مزيد الاهتمام بإنشاء وإقامة وتقوية ودعم الهيئات والمراكز والنوادي والمؤسسات الدينية والعلمية والثقافية والفكرية التي تستوعب أفراد وشباب الأمة، وتكون مظلات يتم عبرها النشاط والتفاعل والعطاء والحوار، ولعل الإعلان عن إنشاء مركز الحوار الوطني هو خطوة سليمة وقرار رشيد في هذا الاتجاه البعيد، وفي هذه الرحلة البناءة الطويلة على طريق المجد والقوة والاتحاد والتماسك بين أجزاء وطننا وأمتنا العربية والإسلامية.
|