الموجة التي تنتشر الآن في أوساط بعض النخب المتغربة في بلادنا، وبعض المؤسسات القومية المنبثقة عن الجامعة العربية هي موجة "العمل على تحسين صورة الإسلام والمسلمين في الغرب"، ومحاولة الترويج لها كمشكلة تواجه العرب والمسلمين في عالم اليوم، وكأن المشكلة هي أمراض المسلمين والإسلام، وليست قاذورات حضارة أفرزت للبشرية أحط مراحل تاريخها للإنسان، عنصرية واستكبار واستباحة للحياة والقيم، حتى في الحياة الغربية ذاتها، حيث أزهقت في قرن واحد أرواحاً بعدد من أزهقت أرواحهم على مدى التاريخ كله، فتم تحويل القضية من البحث عن أسباب خوائنا وضعفنا وعجزنا عن اتخاذ المواقف التاريخية الملائمة وتحريك الهمم لموقف عربي وإسلامي موحد يحفظ للأمة حقوقها في أكثر من مكان منتهك في العالم اليوم إلى مشروع "تحسين الصورة"، صورتنا نحن، إذ ما زلنا لم نقدر على مطالبة الغرب نفسه بتحسين صورته التي بدت فادحة البشاعة مؤخراً في تعاطيه مع قضايا العرب والمسلمين، وكان مدهشا أن تدخل الجامعة العربية، للمرة الأولى، بقوة في هذه "الهوجة" أتبعها ظهور كتاب "مستنيرين" من اليسار واليمين، "محسوبين على التيار الإسلامي"، ممن سنوا أقلامهم وخاضوا في مشروع "تحسين الصورة"، حتى تحول الأمر إلى "هوجه وارتزاق" من الواضح أنها مثلت عند أصحابها اكتشافاً سحرياً، لنفض أيديهم من المحنة الأصلية، والعجز الحقيقي على صعيد الواقع، والهروب من مواجهة الحقيقة، أو بذل أي جهد في ساحتها .
إن الذي يحدث الآن في العالم لا شأن له بصورة الإسلام والمسلمين، وإنما هو استهتار بمقدرات الأمة وقدراتها، واستهانة حتى بوجودها، ولا داعي لأن نتمسح بالإسلام ونتحدث عن نظمنا السياسية والاقتصادية والقيمية القضائية، لقد كان سر وجودنا وحبل حياتنا السري هو الإسلام، فلما قطعناه جرياً وراء الشرق أو الغرب ؛ انقطع ماء الحياة من عروق أمتنا وجفت حيوية الأجيال نحو النهضة والتحدي والمغالبة الحضارية ثم نأتي من بعد ذلك ونقول : إننا نريد أن نحسن صورة الإسلام في الغرب !! أيها السادة حسّنوا صورة الإسلام في عالم الإسلام أولاً، وأعيدوا له حضوره ، وقدسيته في حياتنا قبل أن ندعي أننا نريد تحسين صورته أمام الآخرين، إن فاقد الشيء لا يعطيه كما قالوا قديماً، وعلى جامعة الدول العربية ومؤسساتها والوزارات والهيئات التي لا تعد ولا تحصى في عواصم عربية وإسلامية أن تتوقف عن إهدار الأموال وتوزيع الهبات على "مقاولي تحسين الصورة" من محترفي الكتابة والخطابة والمؤتمرات"، وعليهم قبل التفكير في الحوار مع الغرب والدعاية للإسلام –حسب زعمهم – هناك أن يديروا حواراً مع مجتمعاتهم وشبابها الناهض الباحث عن "الإسلام"، عليهم أن يوجدوا قنوات من التفهم والتفاهم والحنو والتواصل والتكامل مع أبناء الإسلام، بدلاً من جعل "القناة الأمنية" هي وحدها قناة التعامل والتفاهم مع الإسلام وملفه في معظم أنحاء العالم الإسلامي، أيها السادة ، ابتسموا في وجوهنا نحن أولاً، قبل ان تنفرج أشداقكم بابتسامات عريضة مصنعة للتصدير أمام "الخواجات" لتحسين صورة الإسلام . إن أحداً في الغرب أو الشرق لن يعطف على جهودكم هذه، ولن يعيرها أي انتباه جدي ولن يحترمها طالما قارن بين هذه الابتسامات التصديرية، وبين واقع إنسانية الإنسان في بلاد الإسلام !!
أيها السادة إن الإسلام انتشر في الغرب في الثلث الأخير من هذا القرن ، بفضل الله – تعالى - ثم بجهود شباب وشيوخ مستقلين ومتطوعين صادقين عاشوا الإسلام وعايشوه ؛ فدخلوا قلوب الناس في الشرق والغرب، من غير دولارات ومؤتمرات ومن قبل أن تسمع جامعة الدول العربية أصلاً عن شيء اسمه "دعوة الغرب للإسلام ".
أيها السادة، ارفعوا أيديكم عن الإسلام، ولا تتمسحوا به لمداراة عوراتكم وعجزكم، وابحثوا عن شيء آخر تحسنوا به صورتكم في الغرب !! |