يتلبس العالم اليوم مفهوم جديد يشكل في ذهنه تنظيما مستحدثاًُ لأشكال التعاون بين الدول ، يحاول أصحاب هذا النظام إقناع المجتمعات البشرية بمستقبل يوحد ارثها الحضاري تحت عباءة تجربة حضارية عالمية واحدة تضع نفسها أنموذجاً للتطبيق على الآخرين! فمنتجات العالم الفكرية والتقنية خاصة وسائل الاتصال ستؤدي تلقائياً إلى توحد ثقافات الشعوب واندماجها فيما يحقق عالمية الأهداف والمصالح . هذا الطرح يقود إلى إلغاء خصوصية الضعيف الذي لا يملك ما يروج به منتجه الحضاري... نحو القبول بكونه متلقياً لمفردات الحضارة الجديدة لاصانعا لهاً ، وهنا سيكون متلقياً للتجربة الليبرالية الغربية الممثلة بمركز العالم الجديد ؛ الولايات المتحدة الأمريكية .
دعوات خبيثة تهدف لفصل ثقافات الشعوب وهدم حدودها ومسح هويتها باتجاه الذوبان الكلي في قلب منتج ثقافي لدولة واحدة لا يتذكر التاريخ لميلادها سوى سنين حبو أولية ! من هنا حاولنا وعبر نقاط مختصرة أن نلقي بأدواتنا على حدودها نقرأ واقعاً له مسبباته، مسترشدين بسنة الله في استحالة ثبات الدورة الحضارية للأمم ، لعلنا نستشف شيئاً ما خلف ضجة أبواق الشر الأبيض .
يبدو أن بوش الابن يحاول فرض العولمة التي أصدرها واثقا بوش الأب بعد انتهاء حرب الخليج الثانية وذلك عبر القوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية يغلف هذه الحملة الضخمة إعلام أمريكي موجه بشكل جديد من الاستخراب ليس في خانة مواجهة الجيوش أو تصدير الأيديولوجيات ... إنما في تحقيق هدف خلاصته : القبض على زمام الوعي العالمي وتوجيهه بل واستنساخ عواصم غربية مشوهة في مناطق العالم تحمل نماذجها ولا تحمل قوتها!
ما نؤكده رغم آراء أساتذة السياسة الأمريكية وخبراء اقتصادها ومهندسو فكرها في شأن قدرة أمريكا على فرض نمط العولمة الشاذ على الشعوب أن صانع القرار السياسي الأمريكي لم يعر بالا لخصومه لأنه تكلم بلغة فوقية وهذه اللغة هي التي ستفتك بسرير العسل الذي تنام بين أحضانه أمريكا اليوم ولا أدل على هذه اللغة من تجاهلها لتزايد العداء الشعبي العالمي تجاه سياساتها في العالم بيئية كانت أو سياسية أو اقتصادية .
أهداف الأمركة العالمية :
هناك محاور رئيسة يقرأ المتابع من خلالها خريطة الأهداف الأمريكية الموعلمة :
ثقافية : بحيث يتم تذويب كل الثقافات تحت مظلة الثقافة الأمريكية، تلتقط الشعوب فتات نسقها الثقافي المستقبلي من قيم لا تنتمي لها ، ترتدي النساء السترة التي أعجبت بها فتاة أمريكا أولا ! ويشاهد أطفال العالم أفلام الكرتون التي أدهشت أطفال أمريكا أولا.
اقتصادية : بحيث تكون هي مركز العالم المنتج ويتحول العالم إلى غابة متشابكة لا تؤدي سوى دور الخدمة عبر إمداد السيد الأمريكي بحاجته من المواد الخام واستهلاك ما ينتجه بعد ذلك .
سياسية: وهنا تتضح معالم التحيز الأمريكي في العالم ففي حين نجد أمريكا تتدخل في دول بحجة الدفاع عن الديمقراطية فهي في المقابل لا تتحدث عن أبسط انتهاكات حقوق الإنسان في دول أخرى ، فسياسة أمريكا أن تكون هي قطب العالم السياسي وتحول الدول إلى أنظمة سياسية تحت سلطتها عبر دعم إقامة أصاف أو أرباع ديمقراطية في البلدان المختلفة بحسب المصلحة وعبرها تستطيع تمرير عبثها الانتهازي في السيطرة على الشعوب ومقدراتها .
لقد فرضت أمريكا على نفسها وعبر هذه الرؤية للعالم مواجهة من نوع آخر ؛ مواجهة تقف فيه أمام الشعوب . فهل تنتصر أمريكا على شعوب ترفضها ؟
نستطيع القول إن نجاح أمريكا في الضغط على كثير من الأنظمة السياسية في دول العالم البعيد والقريب من خلال التأثير المباشر أو غير المباشر في سلوك متخذ القرار السياسي ودفعه إلى تطبيق سياساتها ؛ لا يعني انتصارها في ميدان الشعوب ، فقد يكون نظام العولمة الجديد القشة التي تقصم ظهر البعير الأبيض ولا أدل على ذلك من مظاهرات المئتين ألف شخص في مدينة جنوة ضد استبداد سيدة الديمقراطية العالمية وأن كانت تلك مجرد خطوة شعبية مزية ألا أنها بداية قوية لرفض نمط من الاستبداد الجديد عبر تزايد التنظيمات الغير رسمية في التأثير، وهذا التطور لهذه التنظيمات مرتبط حتماً بتزايد مسلسل الاستبداد الأمريكي العالمي !
ما قبل سقوط العولمة :
تدور هذه الأيام محاولات جادة للخروج من قفص السيطرة الأمريكية على العالم شكلتها قوى ضغط شعبية في أوروبا أثرت في صانع القرار الأوروبي ، وأخرى شرقية ذات نظام طامح للسيطرة ؛ منها :
الاتحاد الأوروبي : بتكتل واندماج وتسارع وستغلال كل فرصة سنحت لكسب جولة تعينه على التفوق ولو المعنوي على أمريكا!
الصين : تتخذ من ترسانتها العسكرية منافس غير سهل وتعد نفسها للخلافة على الكرسي العالمي من الآن، والتكتل الاقتصادي هو سيد الموقف اليوم فهل تنجح أوروبا في سحب البساط من الجميع ؟ أم تخلط الصين أوراق اللعبة بإيجاد معادلة تكامل مع روسيا الجديدة ذات النمط الغربي المشوه فتحقق لنفسها ضربة قد تغير خريطة القرار السياسي في العالم أو قد تهز نوافذه على اقل تقدير.
المسلمون والسباق الحضاري :
الوضع الذي تمر به الأمة لا يمكن لإنسان أن يقول فيه إننا قادرون على خطف نتيجة هذا السباق الحضاري حالياً وان كنا نملك مقوماته لكن عصور من التدهور أرهقت كاهل مفرداتنا الفكرية، وكبلتنا بقيود خارجة عن ديننا الحق فألجمت مسيرتنا الحضارية ... فهل يعني هذا الأمر أن ننتظر إلى من يؤول السباق؟
بالطبع لا.. إذا ما الحل ؟
الحل يدور في مجموعة دوائر رئيسة يغلفها الصبر حتى يحين موعد النصر :
* إعداد الأمة وتربيتها على العقيدة الصحيحة وتهيئة العقول الشابة لخوض مراحل الصراع التقني القادم .
*فتح مساحات الحرية في المجتمعات سيحفز قوى الإبداع للقبض على زمام القيادة والنهوض بالأمة من جديد.
*سد الفجوة بين متخذ القرار السياسي ومتخذ القرار الفكري وأصحاب العقول في الأمة للاستفادة من دورهم في ترشيد العمل الإنمائي عبر بحوثهم ودراساتهم وآرائهم .
* الانفتاح الداخلي بين الدول المسلمة وبعث مساحات للتحرك الاقتصادي والسياسي والثقافي بين الشعوب حتى تتشابك المصالح فيتولد وهج القوة الذي نريد .
* الاتجاه الحذر المنضبط نحو فتح العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والصين ككتلتين مختلفتين لهما وضعهما في السياسة الدولية والاستفادة من هذه العلاقة في دعم نمونا الذاتي وترشيده .
أخيرا :
يجب أن نعلم أننا أمة أصحاب حضارة قال المفكر الإنجليزي (رو جر بيكون )في القرن الثالثة عشر: أعجب ممن يريد أن يبحث عن الفلسفة والعلم وهو لا يعرف اللغة العربية !!
لذا فان ما يسمى بالنظام العالمي الجديد وان كان في بداياته ومعالم أدواته لم تفرض بعد كامل سطوتها.... فهو يظل مرحلة عابرة ، لأن الاستبداد لا يدوم وما علينا إلا الإعداد ، فإذا ما بدأنا العمل فهذا يعني أحد أمرين : إما أن ينهار الشر الأمريكي قبل أن ننتهي من بناء ذاتنا وبالتالي سيصعد نجم غيره فنكون قد ضمنا بإذن الله لأنفسنا أخذ زمام الكرسي الثاني والاقتراب من خطف المقعد الحضاري الأول، أو أن تستمر أمريكا في سطوتها لفترة أطول نكون خلالها وصلنا لمرحلة المنافسة والتقدم إلى أن تبدأ الدورة الحضارية الجديدة للعالم ، يقبض فيها المسلمون من جديد على زمام الحضارات يغرسون فيها نور الحق والله اعلم
|