نقد ومراجعات
لقد كان في قصصهم عبرة!

سلمان العنزي


من المأثور عن الفيلسوف هيجل قوله المحزن :
الشيء الوحيد الذي نتعلمه من التاريخ أنه ليس هناك أحد يتعلم من التاريخ !
أحق من نظر في التاريخ وجرد أخباره وتعمق في تحليله وسبر غوره وأدرك المعالم الظاهرة والخفية في مهامهه الشاسعة هم الملوك والساسة، ومن بيدهم تصريف أمور الناس، وقيادة جيوشهم، وتعمير أراضيهم، وتسيير أمور حياتهم؛ لأن التاريخ حاكم عدل لا يجور في حكمه، ولا يقضي إلاّ وفق الأحداث التي سارت وجرت، والأحداث تتشابه من حيث الصورة العامة، وإن اختلفت في بعض التفاصيل التي تزيد من المعاناة أو تقلل منها وما في ذلك من ضرر ولا إخلال في الحكم مادامت الواقعة العامة قد دهمت البلد وطبّقت الآفاق. وعند قراءتنا للتاريخ نجد أن كثيراً من الملوك والحكام والوزراء ومن دونهم من الناس قد أفادوا من وقائع التاريخ ما كان سبيلاً لتجنّبهم المصائب ودفعهم المآسي، ونجد كذلك من مرت عليه أحداث مشابهة في مدبرات أيامه لم تكن له نوراً في مقبلاتها، ووقع أمر الله فغودر قتيلاً أو سليباً أو حريباً، كما حصل للمعتمد بن عباد على سبيل المثال مع يوسف بن تاشفين، فإن ما فعله معه هذا الملك الكبير من نصرته أولاً ثم الاستيلاء على بلده إشبيلية قد فعل مثله سابقاً ابن عباد مع ابن جهور حينما استدعاه لنصرته على ابن ذي النون، فكان ما كان من استيلائه على قرطبة وهتك حرمتها في طريقة مكيافيلية عوقب عليها ابن عباد أشد المعاقبة، فكان حديث الناس في حياته وحديث التاريخ بعد وفاته، ولم تزل أشعاره الرائعة تتغلغل في أعماق قرائها كسيف عربي فاتح ..!
في التاريخ عبرة ومنهاج، وحياة وشرف، ونجاة ورفعة لمن عرف كيف يتعامل مع الأحداث، وأنار قلبه بشمعة التفكر والتدبر، فأشرق رأيه، وصحّت عزيمته، وقويت همّته، وترك الأمر بعد ذلك بين يدي الله -عز وجل- يقضي فيه ما هو قاضٍ، وسنن الله الجارية أعطت كل مجتهد نصيبه وحظه من الاجتهاد أوفر ما يكون ...!
إن ما جعلني أكتب هذا الكلام ما أراه اليوم في عالم السياسة من اختلاط مريب، ومن صور مرت سابقاً بأوهامها، وها هي اليوم تمر بحقائقها، ومن أحداث نبشت قبور أصحابها، فصيّرتهم وُعّاظاً يقفون بطرق الساسة يصيحون بهم صباح مساء، ولا من سميع أو قريب مجيب، وكأنما ضربت على قلوبهم المذلة باباً فأوصدته عن النور يلج فيكشف مخبآت الحقائق، وكأنما أغشيت عيونهم قطعاً من ليل الآراء الفاسدة العائرة، فصدّتهم عن تلمّح سبيل النجاة وتفهم إرادة الوجود ...!
وسأضرب مثالين اثنين على طريقتين مختلفتين في معالجة أمر تدبير الملك وضبط الخاصة الذين بهم تُضبط العامة، أما الأول فكشفت طريقة معالجته عن الستر، ومزقت الأقنعة، وهتكت حجاب الصمت، وخرقت معاهدة العجز، وأعملت قانون السكين الجازرة في رقاب لم تقدر صنائع المعروف، ولم تمتثل لنداء الشرف، ولم تطمئن لروائح العظمة، فكانوا أهون من شعرة على ناتفها، وأقل حقارة من شوكة على نازعها، فانقلب تاريخهم الفخم سبّة وعاراً، وتحوّلت قصص مجدهم وفخارهم أحاديث زراية وسباب تنتهك أعراضهم وترجم قبورهم ...!
هذا ما صنعه الرشيد مع البرامكة وهم كانوا أقرب إلى قلبه من بعض أبنائه، وأثبت في دستهم من الجبال الرواسي، لم يرد لهم طلباً، ولم يكفّ يد لامس منهم لأدق خصائصه، ولم يكن يخلع عليهم إلاّ ألقاب الأبوة والأخوة، فلما بلغ مكرهم الآفاق، وتحدث الناس عنهم حديث المؤمنين المخلصين عن الجنان، ونسوا في جانب ذلك الرشيد وعظمته، مع ما يصل من خبر عصبيتهم الفارسية وأطماعهم المجوسية، علاوة على تكديرهم نفس الرشيد بذبح أبناء عمومته من آل علي وسعيهم الحثيث في إفساد قلبه عليهم.. فلما بلغ ذلك الحمل ثقلاً عجزت عن تحمّله النفس، ونفر من همجيّته العقل سلّط عليهم السيف غير هيّاب ولا وَكِل، فاجتثّ غرسهم، فأضحوا كأثر عفت عليه الرياح السوافي ...! فسلمت الخلافة وصحّت روحها وعادت لها هيبتها ...!
وأما الثاني فلم تكن طريقة معالجته سديدة، ولم يكن غور رأي الحاكم بالبعيد، ولا رجاحة عقله بالركينة، ولا خبرته بالنفوس البشرية بالعميقة، وقد غره حب الولد فأعمى بصره عن النظر وبصيرته عن الفكر، وصيّره شاة مستخذية تنتظر ناب الذئب يفرسها، فدعا لنفسه بالزراية ولولده بالحماية، فكانت عاقبة الرأي فساداً ذريعاً، وإن بدا في أوله نصراً مبيناً، وتحولت الخلافة الإسلامية في الأندلس إلى لعبة شطرنج بيد أناس محترفين يعرفون مداخل الأمور ومخارجها، حتى صيّروا الخليفة هشاماً المؤيد أضحوكة يحيونه في ساعة الحاجة ويميتونه في ساعة الكفاية، فقال فيه الشاعر :
ذاك الذي مات مراراً ودُفن     فانتفض التربُ ومزّق الكفنْ
كان ذلك ما فعله الخليفة المستنصر مع وزيره وحاجبه المنصور بن أبي عامر حين زين له توريث الخلافة لابنه الناشئ هشام مخالفاً سبيل الحزم، ومراغماً لأهل المشورة الصادقين، وقد كانت أطماع المنصور بن أبي عامر كبيرة وطموحاته تفوق منصبه الثابت الظل، فلما سنحت له الفرصة أفاد منها، وأعان المستنصر على رأيه الفطير فكانت له الغلبة وفي يديه السلطان، وكان ما كان من أمره وأمر ولده بعده وذهاب الخلافة وانقسام الأندلس إلى دويلات وطوائف يأكل بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً لا تربطهم آخية الإسلام، ولا يقدح في قلوبهم زناد الإيمان، فضيعوا الدنيا بعد ضياع الدين، وحل في الأندلس ما حل من ضياع وتشريد وزوال ...!
هذان المثالان يبينان لنا أن الحزم في معالجة الأمور مع تصور الوقائع والأحداث ومتابعة حركة المجتمع مما يمنع وقوع الفساد في السياسة، وينجي من شر التصدعات الداخلية المزرية بأركان الحياة.. وإن التاريخ بكل ما فيه من مآسٍ وعبر يكشف لنا عن مواطئ أقدامنا إن كان في رؤوسنا عقل، وفي قلوبنا إيمان، وعندنا قابلية للتعلم والتعليم في سبيل سياسة ملك تتخطفه العيون من كل مكان، وتترصده المكايد من كل مطلع، وشاهت وجوه لم تعترف بأفضلية التاريخ وما فيه من كنوز، فأسقطوا الأحداث من حسابهم، وتنازلوا عن الوقائع لحساب عصرهم فلم يستبينوا الطريق، ولم يقدروا على معرفة واقعهم المتداخل في سلسلة قبلية وبعدية لا تنتهي ...!

الوظائف الغاغرة
المحطة الإسلامية الصينية
الطبقة ال4 vip3 غرفة
رقم واحد_شارع باى قوانغ لو __حى سيوان وو__مدينة بكين
فاكس: 83544790(010)
ر.ص.ب:100053
بريد إلكترونى: zgqzw@vip.163.com